مفهوم القانون وأقسامه
لم يعد العقل البشري يصدق خرافة الإنسان المنعزل عن سائر الناس . فالإنسان, لا يكتسب صفته الآدمية إلا في مجتمع, فيه خلق ونشأ, وفيه كتب عليه أن يعيش, وهو في معيشته في الجماعة لا مناص له من أن يندفع بغريزته إلى السعي للمحافظة على كيانه وتلبية حاجاته المختلفة, ولكنه لا يمكنه أن يشبع رغباته اعتماداً على مجهوده الشخصي وحده, فهو بحاجة إلى التعاون مع غيره من أفراد الجماعة لكي يتمكن الجميع من تلبية حاجاتهم المختلفة( ). ونتيجةً للحياة المشتركة في الجماعة تنشأ بين أفرادها علاقات مختلفة, وتقوم بالتالي بينهم مشاكل متعددة, فالإنسان في تعامله مع غيره من أبناء جنسه قد تدفعه أثرة جامحة أو تغريه قوة طائشة, فيفتأت على ممتلكات الغير . ومن يدري فلعل هذا الغير يبادله أثرة بأثرة وقوة بقوة, فيضطرب المجتمع وتعمّ بداخله الفوضى .
لذلك كان لا بد من أن يرسم المجتمع لكل شخصٍ حدوداً تبين ما له من حقوق وما عليه من واجبات, وقد تم رسم هذه الحدود نتيجة خبرة أجيال طويلة, وتعاونت في رسمها عوامل متعددة دينية وأخلاقية .... وقانونية . على أن العوامل القانونية هي أكثر هذه العوامل قدرة على تحديد سلوك الأفراد لما يتوافر فيها من عنصر الإلزام, فإن التزم الإنسان قواعدها طواعيةً كان بها, وإلا أجبر على احترامها . وإذن فالرغبة في إلزام الناس بمراعاة سلوك معين هي علة نشوء القانون( ).
وهكذا يتضح أن القانون ظاهرة اجتماعية لا بد منها( ), بمعنى أنه إذا لم يوجد مجتمع فلن يكون للقانون وجود, ولن يكون له معنى ولا فائدة, إما إذا كان هناك مجتمع فإنه لا بد من وجود القانون, ولا يهم بعد ذلك شكل الحكم في المجتمع؛ فسواء كان ديمقراطياً أو ديكتاتورياً لزم أن تنتظم سلوك الأفراد فيه مجموعة قواعد, تبين ما هو المحظور وما هو المباح, وما هو الأمر الملزم وما هو ليس كذلك, وما هي وسائل إجبار الأفراد على عدم إتيان المحظور ... وهذا كله من صميم هدف القانون
انياً ــ معنى كلمة " قانون " والصفات المختلفة التي تلحقها :
ويتصل المعنى الذي يعطى للقانون في دراسة " القانون " بدوره بهذا المعنى الفلسفي, فيقصد بالقانون " مجموعة القواعد التي تنظم سلوك الفرد في المجتمع والتي تلزمه الدولة بمراعاتها " .
وهكذا يتبين أن هذا المعنى يتصل بالمعنى اللغوي من حيث أن القانون مجموعة قواعد أو أصول, ويتصل بالمعنى الفلسفي من حيث أن الفرد يخضع له, ولكنه يزيد عن هذا وذلك من حيث تدخل الدولة لإلزام الفرد بمراعاة القاعدة, وهذا يفيد أن هناك فرصة للإفلات من مراعاة القانون على المعنى الذي يشغلنا, أما القانون في الطبيعيات فلا مفر من الخضوع له, ولا فرصة للإفلات منه, فهو قدَرٌ محتوم( ).
وقد يقصد بكلمة " القانون " الإشارة إلى فرع معين من فروع القانون, بحيث يجتمع كل عدد من القواعد التي تنظم موضوعاً واحداً أو مجموعة من الموضوعات المتقاربة فيما يسمى بـ " فروع القانون " Branches of Law , فيقال مثلاً : القانون الدولي العام والقانون الدستوري والقانون الإداري والقانون المالي والقانون الجنائي, وكلها تنضوي تحت لواء فرع معين يسمى " القانون العام ", كما يقال أيضاً : القانون المدني والقانون التجاري وقانون الأسرة .. الخ, وكلها من أفرع " القانون الخاص ".
3 ــ الصفات المختلفة التي تلحق بكلمة " قانون " :
بعد أن خلصنا من تحديد معنى القانون يتعين علينا أن نعرض لبعض صفات تلحق بالكلمة فتعطيها مدلولاً معيناً , فيقال مثلاً القانون الوضعي والقانون الطبيعي, والقانون المكتوب والقانون غير المكتوب :
1 ــ فيقصد بالقانون الوضعي Positive Law : " مجموعة القواعد الملزمة التي توضع سلفاً لتنظيم سلوك الأفراد في مجتمع معين في مكان معين وفي زمان معين ".
ونتيجة أنَّ هذه القواعد تكون موضوعةً سلفاً أنْ يتمكنَ الأفرادُ من معرفتها وأن ينظموا سلوكهم على أساسها . ونتيجة أن هذه القواعد تتخصص بمكانٍ معينٍ وبزمانٍ معين أنها تتغير بتغير الظروف الاجتماعية في بلد معين, فالقانون الوضعي في سورية مثلاً يختلف عن القانون الوضعي في كل من مصر والأردن والعراق ... الخ,بل إنََّ القانون الوضعي يختلف في البلد الواحد من زمانٍ إلى زمان .
2 ــ ويقصد بالقانون الطبيعي Natural Law "مجموعة المبادئ والقواعد المثالية العادلة التي تفرضها طبيعة الأشياء ويكتشفها العقل السليم ولا تتغير بتغير الزمان أو المكان ".
وتعتبر مبادئ القانون الطبيعي بمثابة الأساس الذي يجب أن تستند إليه القواعد القانونية الوضعية وأن تستمد وجودها منه . فالقواعد القانونية الوضعية, لكي تكون واجبة الاحترام, عليها ألا تخالف أو تناقض أبداً مبادئ القانون الطبيعي, وأن تحرص كل الحرص على تطبيقها . ومن الأمثلة التي تعتبر عادةً من مبادئ وقواعد القانون الطبيعي احترام الحرية الفردية وتقديسها واحترام حق الملكية واحترام العهود والمواثيق والوفاء بها, وفرض تعويض عادل عن الأضرار التي يُلْحِقها شخصٌ بآخر دون وجه حق ... الخ, فهذه كلها أمور تعتبر طبيعية, لأن العقل يرشدنا إليها ويدلنا على عدالتها وصحتها, حتى ولو لم تنص عليها القواعد القانونية الوضعية( ).
( ب ) القانون المكتوب والقانون غير المكتوب:
يقصد بالقانون المكتوب (المدوَّن ) Written Law مجموعة القواعد القانونية الواردة في نصوصٍ مكتوبةٍ كالتشريع؛ ويقصد بالقانون غير المكتوب Unwritten Law مجموعة القواعد القانونية التي لم تصدر في نصوصٍ مكتوبة, أي القواعد التي تؤخذ من مصادر أخرى غير التشريع ( كالعرف والقانون الطبيعي ومبادئ العدالة ). ولاشك أن القواعد المكتوبة تكون أكثرَ وضوحاً وتحديداً وانضباطاً من القواعد غير المكتوبة.
وفي ضوء هذا التعريف , يمكن القول بأن القاعدة القانونية Legal Rule تتميز بثلاث خصائص أساسية ( ):
1 ــ إنها قاعدة عامة مجردة
2 ــ إنها قاعدة اجتماعية, تستهدف تنظيم الروابط أو العلاقات الاجتماعية بين الأفراد
3 ــ إنها قاعدة ملزمة, حيث تقترن بجزاء قانوني يفرض احترامها .
وتأسيساً على ذلك, يمكن القول بأن القواعد القانونية تتميز عن غيرها من قواعد السلوك الاجتماعي الأخرى ( كقواعد الأخلاق مثلاً ) بأنها تقترن بجزاء يكفل احترامها ويوجب طاعتها, ولذا فقد وجِدَ تلازمٌ حتميّ منذ ظهور الفكر القانوني بين القانون وفكرة القهر أو الإكراه Coercion, فالقاعدة القانونية ليست نصيحة أو رجاء يتوجه بها المشرع إلى المخاطبين بأحكامها, وإنما هي تكليفٌ يعزِّزه الجزاء( )؛ وتطبيقاً لذلك فقد عرّف العلامة الألماني " اهرنج " Jhering القانون بأنه " الشكل الذي تتطلبه كفالة الظروف الحيوية للجماعة, ويقوم على أساس سلطة القهر التي توجد في يد الدولة "( ).
ويمكن تعريف الجزاء بأنه " الأثر المترتب على مخالفة القاعدة القانونية ", ويختلف الجزاء باختلاف القواعد القانونية التي خولفت, وتبعاً للمجتمع الذي يطبق عليه, فالجزاء يتناسب مع المصالح التي تحميها القاعدة القانونية حتى يمكن أن يحقق أثرها والمقصود منها, ومن المقرر أن السلطات العامة في الدولة هي التي تتولى توقيع هذا الجزاء( ).
وقد سلَّم الفقه في مجمله بأهمية الجزاء وضرورة وجوده لحماية قواعد القانون, إلا أن الخلاف قد احتدم بينهم حول اعتبار الجزاء ركناً من أركان القانون وعنصراً جوهرياً لا يتصور وجود القاعدة القانونية دونه أم لا ... وقد أخذ الخلاف صورة السؤال التالي : هل تعتبر القواعد الاجتماعية التي تخلو من الجزاءات المادية من قواعد القانون أم لا ؟
ذهب جانب من الفقه إلى اعتبار الجزاء ركناً جوهرياً من أركان القاعدة القانونية, وأنَّ تخلّف الجزاء يُجرّد القاعدة من صفتها القانونية, ويخلط بينها وبين القواعد الأخلاقية, وكما يقول العلامة اهرنج : "إن القاعدة التي تخلو من عنصر الجزاء هي من قبيل التناقض, فهي نارٌ لا تُحرِق, ونورٌ لا يُضيء" ( ).
إلا أن جانباً آخر من الفقه نفى أن يكون الجزاءُ أحدَ عناصر القاعدة القانونية, ذلك أن النظام القانوني يعتمد أو يجب أن يعتمد على الرضا التلقائي بالقانون والاقتناع بأهدافه ودوافعه بحيث تنشأ لدى الأفراد عقيدة احترام القانون دون خوفٍ من عواقبَ مخالفته . واستند هذا الرأي إلى حجةٍ مؤدّاها أنّ اعتبار الجزاء أحد أركان القاعدة القانونية فيه مصادرة على المطلوب وإنزال للنتيجة منزلة السبب : فالقاعدة تكون قانونية إذا اقترنت بجزاء, وتقترن بجزاء إذا كانت قانونية, وبعبارة أخرى هل تعتبر القاعدة "قانونية" لأنها مقترنة بجزاء أم أنها تقترن بجزاء لأنها قانونية ؟! ثم إنه من المستحيل أن يكون الجزاء أحد مكونات القاعدة القانونية لأنه أمْرٌ بَعْدي يتأتى بعد اكتساب القاعدة صفة القانون, والقاعدة توصف بأنها قانونية ثم يطبَّق الجزاء متى خولفت ( ) .
كذلك أيضاً ثار خلافٌ فقهي حول صورة الجزاء ونوعيَّته, فقد اشترط أنصار المذهب الشكلي ضرورة اقتران القاعدة القانونية بجزاءٍ مادي منظم تطبّقه السلطة العامة, وتعتبر هذه المدرسة امتداداً لفكرة القوة والقهر كجزاء للقاعدة القانونية( )؛ إلا أنَّ من الفقهاء مَن لا يشترط أن يكون الجزاء متمثلاً في صورة الإكراه المادي الذي تقوم السلطة العامة بتوقيعه, ويرى أن الجزاء يمكن أن يتمثَّل في ردِّ الفعل الاجتماعي الذي يترتب على مخالفة القاعدة القانونية( ).
الفرع الثاني
وتتعدد هذه التقسيمات باختلاف المعايير التي تُتَّخذ أساساً للتقسيم, إلا أن التقسيم الرئيسي للقانون هو ما جرى عليه الفقه منذ عهد الرومان بتقسيم القانون إلى " قانون عام " Public Law و " قانون خاص " Private Law ؛ حيث كان الرومان يعتبرون القانون العام هو قانون الدولة باعتبارها سلطة عامة تعمل للصالح العام وتعلو على المصالح الفردية الخاصة, أما القانون الخاص فكانوا يعتبرونه قانون الأفراد .
وعلى الرغم من شيوع التقسيم السابق ووروده في غالبية كتب الفقه, إلا أن المؤيدين له قد اختلفوا فيما بينهم حول المعيار الرئيسي لتحديد الخط الفاصل بين نطاق القانون العام والقانون الخاص . وبصرف النظر عن المعايير التي قيل بها في صدد هذه التفرقة, فإنه يمكن القول بصفة عامة أنّ الذي يميّز قواعد القانون العام عن القانون الخاص هو « صفة أطراف العلاقة التي تُنَظِّمها هذه القواعد », فإذا كانت الدولة بصفتها صاحبة السيادة والسلطان هي أحد أطراف العلاقة القانونية اعتبرنا هذه القواعد من القانون العام, وإذا لم تكن الدولة طرفاً فيها, أو كانت طرفاً ولكن كفرد عادي لا بصفتها صاحبة سيادة وسلطان, اعتبرنا هذه القواعد من القانون الخاص( ).
وبناءً عليه, يمكن تعريف القانون العام بأنه " القانون الذي ينظم العلاقات التي تسهم فيها الدولة باعتبارها صاحبة السلطة العامة ", أما القانون الخاص, فيمكن تعريفه بأنه " القانون الذي ينظم علاقات الأفراد بعضهم ببعض أو علاقات الأفراد بالدولة وسائر الهيئات العامة عندما لا تتدخل باعتبارها صاحبة السلطة العامة "( ).
وينقسم « القانون العام » بدوره إلى قسمين رئيسيين هما :
1 ــ القانون العام الخارجي , ويطلق عليه "القانون الدولي العام", ويقصد به مجموعة القواعد القانونية التي تنظم علاقات الدول فيما بينها في أوقات السلم والحرب والحياد, كما يشمل أيضاً القواعد المتعلقة بالمنظمات الدولية المعترف بها
2 ــ القانون العام الداخلي, ويقصد به مجموعة القواعد القانونية التي تحكم أو تنظم شؤون الدولة العامة الداخلية, ويطبق داخل إقليم الدولة, ولا يتعدى سلطانه حدودها . ويتفرَّع عن القانون العام الداخلي أربعة فروع رئيسية هي : ( القانون الدستوري, والقانون الإداري, والقانون المالي, والقانون الجزائي ) .
وإذا كان هذا هو المعنى العلمي لاصطلاح القانون العام (حيث يشمل كل فروع القانون العام الخارجي والداخلي), إلا أن التقاليد الأكاديمية لا تأخذ به, بل وقفت باصطلاح القانون العام عند مفهوم أضيق من هذا المعنى العلمي . فتستعمل أحياناً هذا الاصطلاح بحيث لا يشمل سوى القانون الدستوري والقانون الإداري والقانون المالي ( وهو المتبع عندنا في كلية الحقوق بجامعة دمشق ), وتستعمله أحياناً أخرى بمعنى أضيق بحيث يقف الاصطلاح عند مادتي القانون الدستوري والقانون الإداري فقط, لما بينهما من روابط وثيقة . ويعد هذا الاستعمال الأخير هو الأمر الغالب في التقاليد الأكاديمية في الوقت الحاضر . ولقد ساعد على ذلك أن بقية فروع القانون ( القانون الدولي العام والقانون المالي والقانون الجزائي ) قد أخذت طريقها إلى الاستقلال لتكون مواد قائمةً بذاتها( ).
أما « القانون الخاص » فيضم الفروع التالية: القانون المدني بما في ذلك قانون الأحوال الشخصية, والقانون التجاري (بفروعه الثلاثة: البري والبحري والجوي), وقانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية .... وبعض الفروع المستحدثة التي انشقت عن القانون المدني بسبب أهميتها والطبيعة الخاصة للعلاقات التي تنظمها, كقانون العمل والقانون الزراعي
سنقسم الدراسة في هذا المطلب إلى فرعين رئيسين, نبين في الفرع الأول مفهوم القانون, ونتحدث في الفرع الثاني عن أقسام القانون, وذلك وفق الآتي :
الفرع الأولمفهوم القانون
أولاً ــ القانون ضرورة اجتماعية :
لذلك كان لا بد من أن يرسم المجتمع لكل شخصٍ حدوداً تبين ما له من حقوق وما عليه من واجبات, وقد تم رسم هذه الحدود نتيجة خبرة أجيال طويلة, وتعاونت في رسمها عوامل متعددة دينية وأخلاقية .... وقانونية . على أن العوامل القانونية هي أكثر هذه العوامل قدرة على تحديد سلوك الأفراد لما يتوافر فيها من عنصر الإلزام, فإن التزم الإنسان قواعدها طواعيةً كان بها, وإلا أجبر على احترامها . وإذن فالرغبة في إلزام الناس بمراعاة سلوك معين هي علة نشوء القانون( ).
وهكذا يتضح أن القانون ظاهرة اجتماعية لا بد منها( ), بمعنى أنه إذا لم يوجد مجتمع فلن يكون للقانون وجود, ولن يكون له معنى ولا فائدة, إما إذا كان هناك مجتمع فإنه لا بد من وجود القانون, ولا يهم بعد ذلك شكل الحكم في المجتمع؛ فسواء كان ديمقراطياً أو ديكتاتورياً لزم أن تنتظم سلوك الأفراد فيه مجموعة قواعد, تبين ما هو المحظور وما هو المباح, وما هو الأمر الملزم وما هو ليس كذلك, وما هي وسائل إجبار الأفراد على عدم إتيان المحظور ... وهذا كله من صميم هدف القانون
انياً ــ معنى كلمة " قانون " والصفات المختلفة التي تلحقها :
1 ــ المعنى اللغوي لكلمة " قانون " :
القَانُون كلمة يونانية الأصل( )، تلفظ كما هي Kanun وانتقلت من اليونانية إلى الفارسية بنفس اللفظ (كانون ) بمعنى أصل كل شيء ومقياسه، ثم عُرّبت عن الفارسية بمعنى الأصل، ودرج استخدامها بمعنى أصل الشيء الذي يسير عليه، أو المنهج الذي يسير بحسبه, ويتصل بهذا المعنى اللغوي ما أعطي للكلمة من مدلول في الطبيعيات والفلسفة . فهي تعني الخضوع لنظام ثابت . فإذا قلت قانون رد الفعل (قانون نيوتن الثالث) أفاد ذلك أن « كل فعل يخضع لرد فعل "مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه », وإذا قلت قانون السكون والحركة (قانون نيوتن الأول) أفاد ذلك أن « كل شيء ساكن يظل ساكناً وكل شيء متحرك يبقى متحركاً ما لم تؤثر فيه قوة خارجية » .ويتصل المعنى الذي يعطى للقانون في دراسة " القانون " بدوره بهذا المعنى الفلسفي, فيقصد بالقانون " مجموعة القواعد التي تنظم سلوك الفرد في المجتمع والتي تلزمه الدولة بمراعاتها " .
وهكذا يتبين أن هذا المعنى يتصل بالمعنى اللغوي من حيث أن القانون مجموعة قواعد أو أصول, ويتصل بالمعنى الفلسفي من حيث أن الفرد يخضع له, ولكنه يزيد عن هذا وذلك من حيث تدخل الدولة لإلزام الفرد بمراعاة القاعدة, وهذا يفيد أن هناك فرصة للإفلات من مراعاة القانون على المعنى الذي يشغلنا, أما القانون في الطبيعيات فلا مفر من الخضوع له, ولا فرصة للإفلات منه, فهو قدَرٌ محتوم( ).
2 ــ " القانون " بين المعنى العام والخاص :
لما كان المعنى الدقيق لكلمة " قانون " يشمل كل قاعدة بصرف النظر عن مصدرها, فإن المعنى العام المقصود بكلمة " قانون " هو : « مجموعة القواعد الملزمة التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع » . غير أن اصطلاح القانون قد لا ينصرف إلى هذا المعنى العام, بل يقصد به معنىً خاصاً أو ضيقاً, كأن يراد به « مجموعة القواعد العامة الملزمة التي تضعها السلطة التشريعية لتنظم أمراً ما », مع العلم أن ما تضعه السلطة التشريعية من قواعد يسمى في الاصطلاح "التشريع", وعلى ذلك يكون التشريع نوعاً من القانون, بيد أن التعبير قد جرى على إطلاق تسمية "القانون" على التشريع, وأصبحنا نتحدث عن القانون المدني أو القانون التجاري أو قانون العمل أو قانون العقوبات ... الخ, وهذا الذي درج عليه التعبير صحيح. فالتشريع يعتبر قانوناً, بل هو الصورة الطبيعية والغالبة للقانون . مع ملاحظة أن كل تشريع يعتبر قانوناً, ولكن ليس كل قانون يعتبر تشريعاً, ولهذا قلنا بأن لكلمة " قانون " مدلولين : أحدهما واسع ( يعني كل قاعدة عامة مجردة وملزمة أياً كان مصدرها ), والآخر ضيق ( يعني القاعدة العامة الملزمة التي تأتي عن طريق السلطة التشريعية ) .وقد يقصد بكلمة " القانون " الإشارة إلى فرع معين من فروع القانون, بحيث يجتمع كل عدد من القواعد التي تنظم موضوعاً واحداً أو مجموعة من الموضوعات المتقاربة فيما يسمى بـ " فروع القانون " Branches of Law , فيقال مثلاً : القانون الدولي العام والقانون الدستوري والقانون الإداري والقانون المالي والقانون الجنائي, وكلها تنضوي تحت لواء فرع معين يسمى " القانون العام ", كما يقال أيضاً : القانون المدني والقانون التجاري وقانون الأسرة .. الخ, وكلها من أفرع " القانون الخاص ".
3 ــ الصفات المختلفة التي تلحق بكلمة " قانون " :
بعد أن خلصنا من تحديد معنى القانون يتعين علينا أن نعرض لبعض صفات تلحق بالكلمة فتعطيها مدلولاً معيناً , فيقال مثلاً القانون الوضعي والقانون الطبيعي, والقانون المكتوب والقانون غير المكتوب :
( أ ) القانون الوضعي والقانون الطبيعي :
تعني كلمة قانون وهي مجردة عن الوصف " مجموعة القواعد الملزمة التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع ", فإن وصفت بـ وضعي أو طبيعي, تخصصت بمعنىً معين :1 ــ فيقصد بالقانون الوضعي Positive Law : " مجموعة القواعد الملزمة التي توضع سلفاً لتنظيم سلوك الأفراد في مجتمع معين في مكان معين وفي زمان معين ".
ونتيجة أنَّ هذه القواعد تكون موضوعةً سلفاً أنْ يتمكنَ الأفرادُ من معرفتها وأن ينظموا سلوكهم على أساسها . ونتيجة أن هذه القواعد تتخصص بمكانٍ معينٍ وبزمانٍ معين أنها تتغير بتغير الظروف الاجتماعية في بلد معين, فالقانون الوضعي في سورية مثلاً يختلف عن القانون الوضعي في كل من مصر والأردن والعراق ... الخ,بل إنََّ القانون الوضعي يختلف في البلد الواحد من زمانٍ إلى زمان .
2 ــ ويقصد بالقانون الطبيعي Natural Law "مجموعة المبادئ والقواعد المثالية العادلة التي تفرضها طبيعة الأشياء ويكتشفها العقل السليم ولا تتغير بتغير الزمان أو المكان ".
وتعتبر مبادئ القانون الطبيعي بمثابة الأساس الذي يجب أن تستند إليه القواعد القانونية الوضعية وأن تستمد وجودها منه . فالقواعد القانونية الوضعية, لكي تكون واجبة الاحترام, عليها ألا تخالف أو تناقض أبداً مبادئ القانون الطبيعي, وأن تحرص كل الحرص على تطبيقها . ومن الأمثلة التي تعتبر عادةً من مبادئ وقواعد القانون الطبيعي احترام الحرية الفردية وتقديسها واحترام حق الملكية واحترام العهود والمواثيق والوفاء بها, وفرض تعويض عادل عن الأضرار التي يُلْحِقها شخصٌ بآخر دون وجه حق ... الخ, فهذه كلها أمور تعتبر طبيعية, لأن العقل يرشدنا إليها ويدلنا على عدالتها وصحتها, حتى ولو لم تنص عليها القواعد القانونية الوضعية( ).
( ب ) القانون المكتوب والقانون غير المكتوب:
يقصد بالقانون المكتوب (المدوَّن ) Written Law مجموعة القواعد القانونية الواردة في نصوصٍ مكتوبةٍ كالتشريع؛ ويقصد بالقانون غير المكتوب Unwritten Law مجموعة القواعد القانونية التي لم تصدر في نصوصٍ مكتوبة, أي القواعد التي تؤخذ من مصادر أخرى غير التشريع ( كالعرف والقانون الطبيعي ومبادئ العدالة ). ولاشك أن القواعد المكتوبة تكون أكثرَ وضوحاً وتحديداً وانضباطاً من القواعد غير المكتوبة.
ثالثاً ــ تعريف القانون وبيان خصائص القاعدة القانونية :
عرِفْنا أنَّ القانون هو ظاهرةٌ حتميةٌ لصيقةٌ بالمجتمعات البشرية المنظَّمة, وهو من أهم مظاهر التعبير عن الإرادة والشعور الجماعي لأفراد المجتمع ؛ ويمكن تعريف القانون بأنه " مجموعة القواعد العامة التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع , والتي تكفل الدولة احترامها بالقوة عند الاقتضاء عن طريق توقيع جزاءٍ على مَنْ يخالفها "( ).وفي ضوء هذا التعريف , يمكن القول بأن القاعدة القانونية Legal Rule تتميز بثلاث خصائص أساسية ( ):
1 ــ إنها قاعدة عامة مجردة
2 ــ إنها قاعدة اجتماعية, تستهدف تنظيم الروابط أو العلاقات الاجتماعية بين الأفراد
3 ــ إنها قاعدة ملزمة, حيث تقترن بجزاء قانوني يفرض احترامها .
وتأسيساً على ذلك, يمكن القول بأن القواعد القانونية تتميز عن غيرها من قواعد السلوك الاجتماعي الأخرى ( كقواعد الأخلاق مثلاً ) بأنها تقترن بجزاء يكفل احترامها ويوجب طاعتها, ولذا فقد وجِدَ تلازمٌ حتميّ منذ ظهور الفكر القانوني بين القانون وفكرة القهر أو الإكراه Coercion, فالقاعدة القانونية ليست نصيحة أو رجاء يتوجه بها المشرع إلى المخاطبين بأحكامها, وإنما هي تكليفٌ يعزِّزه الجزاء( )؛ وتطبيقاً لذلك فقد عرّف العلامة الألماني " اهرنج " Jhering القانون بأنه " الشكل الذي تتطلبه كفالة الظروف الحيوية للجماعة, ويقوم على أساس سلطة القهر التي توجد في يد الدولة "( ).
ويمكن تعريف الجزاء بأنه " الأثر المترتب على مخالفة القاعدة القانونية ", ويختلف الجزاء باختلاف القواعد القانونية التي خولفت, وتبعاً للمجتمع الذي يطبق عليه, فالجزاء يتناسب مع المصالح التي تحميها القاعدة القانونية حتى يمكن أن يحقق أثرها والمقصود منها, ومن المقرر أن السلطات العامة في الدولة هي التي تتولى توقيع هذا الجزاء( ).
وقد سلَّم الفقه في مجمله بأهمية الجزاء وضرورة وجوده لحماية قواعد القانون, إلا أن الخلاف قد احتدم بينهم حول اعتبار الجزاء ركناً من أركان القانون وعنصراً جوهرياً لا يتصور وجود القاعدة القانونية دونه أم لا ... وقد أخذ الخلاف صورة السؤال التالي : هل تعتبر القواعد الاجتماعية التي تخلو من الجزاءات المادية من قواعد القانون أم لا ؟
ذهب جانب من الفقه إلى اعتبار الجزاء ركناً جوهرياً من أركان القاعدة القانونية, وأنَّ تخلّف الجزاء يُجرّد القاعدة من صفتها القانونية, ويخلط بينها وبين القواعد الأخلاقية, وكما يقول العلامة اهرنج : "إن القاعدة التي تخلو من عنصر الجزاء هي من قبيل التناقض, فهي نارٌ لا تُحرِق, ونورٌ لا يُضيء" ( ).
إلا أن جانباً آخر من الفقه نفى أن يكون الجزاءُ أحدَ عناصر القاعدة القانونية, ذلك أن النظام القانوني يعتمد أو يجب أن يعتمد على الرضا التلقائي بالقانون والاقتناع بأهدافه ودوافعه بحيث تنشأ لدى الأفراد عقيدة احترام القانون دون خوفٍ من عواقبَ مخالفته . واستند هذا الرأي إلى حجةٍ مؤدّاها أنّ اعتبار الجزاء أحد أركان القاعدة القانونية فيه مصادرة على المطلوب وإنزال للنتيجة منزلة السبب : فالقاعدة تكون قانونية إذا اقترنت بجزاء, وتقترن بجزاء إذا كانت قانونية, وبعبارة أخرى هل تعتبر القاعدة "قانونية" لأنها مقترنة بجزاء أم أنها تقترن بجزاء لأنها قانونية ؟! ثم إنه من المستحيل أن يكون الجزاء أحد مكونات القاعدة القانونية لأنه أمْرٌ بَعْدي يتأتى بعد اكتساب القاعدة صفة القانون, والقاعدة توصف بأنها قانونية ثم يطبَّق الجزاء متى خولفت ( ) .
كذلك أيضاً ثار خلافٌ فقهي حول صورة الجزاء ونوعيَّته, فقد اشترط أنصار المذهب الشكلي ضرورة اقتران القاعدة القانونية بجزاءٍ مادي منظم تطبّقه السلطة العامة, وتعتبر هذه المدرسة امتداداً لفكرة القوة والقهر كجزاء للقاعدة القانونية( )؛ إلا أنَّ من الفقهاء مَن لا يشترط أن يكون الجزاء متمثلاً في صورة الإكراه المادي الذي تقوم السلطة العامة بتوقيعه, ويرى أن الجزاء يمكن أن يتمثَّل في ردِّ الفعل الاجتماعي الذي يترتب على مخالفة القاعدة القانونية( ).
الفرع الثاني
أقسام القانون
ذكرنا أن الهدف من القانون هو تنظيم العيش في الجماعة, وتحقيق التعايش السلمي بين أفرادها عن طريق وضع قواعد سلوك تخاطب كل واحد منهم, وتحدد ما له من حقوق وما عليه من واجبات. وقد أدى تعدد الحاجات الإنسانية وتنوعها إلى اختلاف القواعد القانونية التي تعمل على تنظيمها وضبط العلاقات الناشئة منها, كما ساهمت العلاقات البشرية المعقدة والمتنوعة والتقدم العلمي المذهل في خلق مشاكل قانونية جديدة اضطر المشرع لمواجهتها بسَيْلٍ من القواعد المنظِّمة للسلوك؛ ولذا فقد عمد الفقه إلى تقسيم القواعد القانونية إلى تقسيمات رئيسية يضم كل منها فروع القانون التي تتشابه فيما بينها في خاصية أو أكثر( ).وتتعدد هذه التقسيمات باختلاف المعايير التي تُتَّخذ أساساً للتقسيم, إلا أن التقسيم الرئيسي للقانون هو ما جرى عليه الفقه منذ عهد الرومان بتقسيم القانون إلى " قانون عام " Public Law و " قانون خاص " Private Law ؛ حيث كان الرومان يعتبرون القانون العام هو قانون الدولة باعتبارها سلطة عامة تعمل للصالح العام وتعلو على المصالح الفردية الخاصة, أما القانون الخاص فكانوا يعتبرونه قانون الأفراد .
وعلى الرغم من شيوع التقسيم السابق ووروده في غالبية كتب الفقه, إلا أن المؤيدين له قد اختلفوا فيما بينهم حول المعيار الرئيسي لتحديد الخط الفاصل بين نطاق القانون العام والقانون الخاص . وبصرف النظر عن المعايير التي قيل بها في صدد هذه التفرقة, فإنه يمكن القول بصفة عامة أنّ الذي يميّز قواعد القانون العام عن القانون الخاص هو « صفة أطراف العلاقة التي تُنَظِّمها هذه القواعد », فإذا كانت الدولة بصفتها صاحبة السيادة والسلطان هي أحد أطراف العلاقة القانونية اعتبرنا هذه القواعد من القانون العام, وإذا لم تكن الدولة طرفاً فيها, أو كانت طرفاً ولكن كفرد عادي لا بصفتها صاحبة سيادة وسلطان, اعتبرنا هذه القواعد من القانون الخاص( ).
وبناءً عليه, يمكن تعريف القانون العام بأنه " القانون الذي ينظم العلاقات التي تسهم فيها الدولة باعتبارها صاحبة السلطة العامة ", أما القانون الخاص, فيمكن تعريفه بأنه " القانون الذي ينظم علاقات الأفراد بعضهم ببعض أو علاقات الأفراد بالدولة وسائر الهيئات العامة عندما لا تتدخل باعتبارها صاحبة السلطة العامة "( ).
وينقسم « القانون العام » بدوره إلى قسمين رئيسيين هما :
1 ــ القانون العام الخارجي , ويطلق عليه "القانون الدولي العام", ويقصد به مجموعة القواعد القانونية التي تنظم علاقات الدول فيما بينها في أوقات السلم والحرب والحياد, كما يشمل أيضاً القواعد المتعلقة بالمنظمات الدولية المعترف بها
2 ــ القانون العام الداخلي, ويقصد به مجموعة القواعد القانونية التي تحكم أو تنظم شؤون الدولة العامة الداخلية, ويطبق داخل إقليم الدولة, ولا يتعدى سلطانه حدودها . ويتفرَّع عن القانون العام الداخلي أربعة فروع رئيسية هي : ( القانون الدستوري, والقانون الإداري, والقانون المالي, والقانون الجزائي ) .
وإذا كان هذا هو المعنى العلمي لاصطلاح القانون العام (حيث يشمل كل فروع القانون العام الخارجي والداخلي), إلا أن التقاليد الأكاديمية لا تأخذ به, بل وقفت باصطلاح القانون العام عند مفهوم أضيق من هذا المعنى العلمي . فتستعمل أحياناً هذا الاصطلاح بحيث لا يشمل سوى القانون الدستوري والقانون الإداري والقانون المالي ( وهو المتبع عندنا في كلية الحقوق بجامعة دمشق ), وتستعمله أحياناً أخرى بمعنى أضيق بحيث يقف الاصطلاح عند مادتي القانون الدستوري والقانون الإداري فقط, لما بينهما من روابط وثيقة . ويعد هذا الاستعمال الأخير هو الأمر الغالب في التقاليد الأكاديمية في الوقت الحاضر . ولقد ساعد على ذلك أن بقية فروع القانون ( القانون الدولي العام والقانون المالي والقانون الجزائي ) قد أخذت طريقها إلى الاستقلال لتكون مواد قائمةً بذاتها( ).
أما « القانون الخاص » فيضم الفروع التالية: القانون المدني بما في ذلك قانون الأحوال الشخصية, والقانون التجاري (بفروعه الثلاثة: البري والبحري والجوي), وقانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية .... وبعض الفروع المستحدثة التي انشقت عن القانون المدني بسبب أهميتها والطبيعة الخاصة للعلاقات التي تنظمها, كقانون العمل والقانون الزراعي

تعليقات
إرسال تعليق